محمد أبو زهرة
1236
زهرة التفاسير
الجاحدين الذين غلفت قلوبهم دون نور الهداية على الإيمان ، والفاء هنا كأنها فاء التعقيب على الآيات الباهرة ، أي أنهم فور هذه الآيات كفروا ولم يتدبروا ، وأحس منهم عيسى هذا الكفر ، فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى اللّه . والإحساس هو العلم الذي يكون بالحواس ، وإطلاقه على العلم المجرد بعد ذلك من قبيل تشبيه العلم اليقيني القاطع البدهى بالعلم المدرك بالحواس . ولما أحس عيسى الذي أوتى هذه البينات الكفر من قومه ، وعلم ذلك علما يقينيا ، اتجه إلى من يدعوهم يتعرف من أصاب الإيمان قلبه ليتخذ منهم قوة للدعوة وليكونوا صورة للمهتدين الصادقين ؛ ولذلك قال : مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ أي من الذين رضوا أن يكونوا أنصارى لأواجه بهم الذين يحاربون دعوتي ، على أن يكون أولئك الأنصار منصرفين متجهين إلى اللّه تعالى لا يبغون غير رضاه ، وهذا التعبير الكريم فيه إشارة إلى معان ثلاثة : أولها : أن الأكثرين لم يكونوا مؤمنين ؛ ولذلك عبر بقوله تعالى : فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ فنسب الكفر إليهم ، وذلك لا يكون إلا إذا كان الكافرون هم الكثرة الظاهرة ، والمؤمنون هم القلة المغمورة ، حتى بحث عنهم السيد المسيح عليه السلام بقوله : من أنصارى إلى اللّه تعالى . المعنى الثاني : الذي يشير إليه النص الكريم : أن السيد المسيح عليه السلام أحس بأنه أصبح مقصودا بالأذى ، وأن الدعوة الحق أصبحت مهاجمة من تلك الكثرة الساحقة ؛ ولذلك طلب أن يكون له نصراء يجعلون للحق منعة وقوة من جهة ، ويكونون مدرسة الدعاية له ، والخلية التي تدرس فيها حقائقه من جهة أخرى . المعنى الثالث : الذي يشير إليه النص : هو أن النصرة الحقيقية في مثل هذا المقام أساسها إخلاص النية لله تعالى ، والاتجاه إليه ، وتفويض الأمور إليه ، فإنهم إن كانوا قليلا فهم بمعونة اللّه كثيرون وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 40 ) [ الحج ] ولذلك كان في سؤال السيد المسيح عليه السلام إضافة النصراء